أبو الليث السمرقندي

538

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

لنبوتك فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ بأنك رسول اللّه فَأَلْقى موسى عَصاهُ يعني : ألقى موسى عصاه من يده فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ وهي أعظم الحيات ، ويقال الثعبان الحية الذكر الصفراء الشقراء ويقال صارت حية من أعظم الحيات رأسها مع شرف قصر فرعون ، ففتحت فاها نحو فرعون ، وكان فرعون على سريره فوثب فرعون عن سريره ، وهرب منها ، وهرب الناس ، وصاحوا إلى موسى ، ونادى فرعون يا موسى خذها عني فأخذها ، فإذا هي عصا بيضاء بيده كما كانت ، وجعل الناس يضحكون مما يصنع موسى . ومعنى قوله : ثُعْبانٌ مُبِينٌ يعني : أنها حية تسعى لا لبس فيها . فقال له فرعون : هل معك غير هذا ؟ فقال : نعم وَنَزَعَ يَدَهُ يعني : أخرج يده أخرجها من جيبه كما قال في آية أخرى وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [ النمل : 12 ] يعني : من غير برص فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ يعني : لها شعاع غلب على نور الشمس . ومعنى قوله : لِلنَّاظِرِينَ يعني : يتعجب ويتحير منها الناظرون . ويقال : إن البياض من غير برص . لأن الناس يكرهون النظر إلى الأبرص ، فأخبر أن ذلك بياض ينظرون إليه من غير سوء . ثم أدخل يده في جيبه وأخرجها فصارت كما كانت . قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ يعني : الأشراف والرؤساء . قال مقاتل : إن فرعون قال بهذه المقالة فصدقه قومه كما قال في سورة الشعراء : قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ [ الشعراء : 34 ] يعني : حاذق بالسحر . ثم قال لقومه : إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ تصديقا لقوله : يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بسحره يعني : من أرض مصر . فقال لهم فرعون : فَما ذا تَأْمُرُونَ يعني : أي فماذا تشيرون في أمره ؟ ويقال : إن بعضهم قال لبعض فماذا تأمرون ؟ أي ماذا ترون في أمره قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ يعني : احبسهما ولا تقتلهما . وأصله في اللغة التأخير أي أخر أمرهما حتى تجتمع السحرة فيغلبوهما . فإنك إن قتلتهما قبل أن يظهر حالهما يظن الناس أنهما صادقان . فإذا تبين كذبهما عند الناس فاقتلهما حينئذ . فذلك قوله : أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ أي : ابعث فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يعني : الشرط يحشرون الناس إليكم أي : يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أي : حاذق بالسحر قرأ ابن كثير أرجئهوا بالهمزة والواو بعد الهاء . وقرأ الكسائي أرجهي إلّا أنه بكسر الهاء ولا يتبع الياء . وقرأ أبو عمر وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر في إحدى الروايتين أرجئه بالهمز بغير مد والضمة . وهذه اللغات كلها مروية عن العرب . وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي بكل سحّار عليم على وجه المبالغة في السحر . وقرأ الباقون بكل ساحر وهكذا في يونس واتفقوا في الشعراء . قوله تعالى : وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً يعني : قالوا لفرعون أتعطينا جعلا ومالا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ لموسى قالَ لهم فرعون نَعَمْ لكم الجعل وَإِنَّكُمْ